العودة إلى الفهرس الرئيسي

لتحميل الوثيقة في صورة PDF

من المقــال

وعادة ما يبدأ التخطيط المستقبلي على مستوى الكيانات الصغرى، فيما يعرف بالخطة الخمسية،وقد اتبعتها مصر في بداية عهد الرئيس عبد الناصر، بالتطابق مع فكر الاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت.

 مصر إلى عام ... 2030

لواء أ.ح. دكتور/ سمير فرج

 

جلست أمام شاشة التليفزيون، أتابع وقائع احتفال "رؤية مصر 2030"، فعادت بي الذكريات، على الفور، إلى فترة دراستي بالولايات المتحدة الأمريكية، للحصول على دبلوم إدارة الأعمال، والتي تعلمت فيها أن التخطيط المستقبلي هو أهم عوامل النجاح والتقدم لأي مؤسسة ... أو كيان ... أو دولة. وتذكرت أن آخر مرة اتبعت فيها مصر هذا الفكر، كان في عهد الرئيس عبد الناصر، عندما بدأ تطبيق مفهوم الخطط الخمسية لمصر، وهو ما حقق لمصر، في تلك الفترة، نجاحات كبيرة، خاصة في مجال الصناعة، بفضل هذا التخطيط المستقبلي.

يعتبر التخطيط المستقبلي، واحداً من أهم عوامل النجاح والتقدم لأي كيان، ويدرس ويطبق هذا المفهوم في جميع مدارس الإدارة، سواء الغربية، أو الشرقية، أو حتى اليابانية. بل أصبح مفهوم التخطيط المستقبلي، أحد مقاييس التقدم للدول، والحكومات. ومن هذا المنطلق، بدأت معظم الكيانات، والحكومات، والدول في تبني خطط خمسية ... أو عشرية ... وحتى ربع قرن، لتحديد مستقبلها، خاصة في مجالات الاقتصاد، والتعليم، والصحة ... بل وشملت خطط الدول في كافة المجالات (قوى الدولة الشاملة)، لتصبح Master Plan للدولة كلها.

وعادة ما يبدأ التخطيط المستقبلي على مستوى الكيانات الصغرى، فيما يعرف بالخطة الخمسية،وقد اتبعتها مصر في بداية عهد الرئيس عبد الناصر، بالتطابق مع فكر الاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت. ولكن عند دراستي لدبلوم إدارة الأعمال في الولايات المتحدة الأمريكية، وجدت اختلافاً في التطبيق الأمريكي عن الفكر السوفيتي، فيما يتعلق بالخطط الخمسية المستقبلية. فالفكر السوفيتي للخطط الخمسية يقوم على خطة ثابتة لمدة خمس سنوات، مثلاً من عام 2015 حتى عام 2020، بلا أي تغيير حتى نهاية المدة المحددة للخطة. بينما يعتمد المفهوم الأمريكي على الاستمرارية في الخطط الخمسية، فتبدأ الخطة، على سبيل المثال، من عام 2015 حتى عام 2020، ثم تُطور الخطة في العام التالي ويصبح إطارها الزمني من عام 2016 إلى عام 2021، وبعدها من 2017 إلى 2022، وهكذا ... أي أن الفكر الأمريكي يقوم على التطوير كل عام ... فلا تكون خططه جامدة. إن المتغيرات التي تطرأ خلال خمس سنوات، التي هي عمر الخطة، عادة ما تكون كثيرة. كما أن بدء تنفيذ الخطة، في سنواتها الأولى أو الثانية أو حتى بعد ذلك، ينطوي على احتمال حدوث متغيرات لم تكن في الحسبان عند وضع الخطة، لذلك يجب أن تتمتع الدول بمرونة التخطيط. وهو ما أتفق معه تماماً في ذلك الفكر الأمريكي.

أما ثاني الاختلافات بين الفكر الأمريكي والسوفيتي، فيظهر في أن الفكر الأمريكي يرى أن الخطط الخمسية تتم على مستوى الكيانات الصغيرة، وليس على مستوى الدول. أما على مستوى الدول، فتوضع الخطط على أساس فرعي، مثل خطة خمسية للصناعات ... خطة خمسية للتنمية البشرية ... خطة خمسية لإعداد البطل الأوليمبي ... وهكذا. كما نراه يؤكد على أن التخطيط المستقبلي، على مستوى الحكومات والدول، يجب أن يدور في حدود من خمسة وعشرون عاماً (ربع قرن)، ولا يزيد عن ثلاثون عاماً، لاعتبارات عديدة، أهمها كثرة المتغيرات المستقبلية. كما يؤكد على ضرورة التنسيق بين كافة عناصر الدولة، ويقصد بها الوزارات والهيئات المنوط بها تنفيذ هذه الخطط.

وأعتقد أن اتباع مصر لإسلوب الخطط المستقبلية لمدة خمسة عشر عاماً، هو فكر سليم لعدة أسباب، أولها، أنها المرة الأولى لمصر لانتهاج هذا الفكر على مستوى الدولة. وثانياً، أن المتغيرات التي شهدتها مصر خلال الخمس سنوات الماضية، بعد ثورة يناير 2011، يدفعها إلى التخطيطالمتأني، وليس الاندفاع بالتخطيط لسنوات طويلة.

وبتطبيق الفكر الأمريكي على مصر، في ظل وضعها الاقتصادي الحالي، فإن مصربدأتبخطة تنمية شاملة حتى 2030، يطلق عليها Egypt Master Plan 2030 ... ولذلك يجب أن يبدأ هذا التخطيط، بوضع الأهداف الاستراتيجية للدولة، المطلوب تحقيقها بحلول عام 2030 – مع مراعاة عدم المغالاة في الأهداف، بأن يتم وضعها على أسس علمية – ويتم تقسيم هذه الأهداف الاستراتيجية إلى خطة عمل لكل وزارة أو هيئة. فعلى سبيل المثال، يُحدد لوزارة التعليم القضاء على الأمية بحلول عام محدد ... والارتقاء بالتعليم الفني والصناعي في عام معين. مثال آخر، أنه بحلول عام مقرر سلفاً، توفر وزارة الصحة التأمين الصحي لجميع المواطنين ... وقد يأتي هذا الهدف لاحقاً لخطة تطوير المستشفيات؛ فالتسلسل المنطقي يفرض تجهيز المستشفيات والوحدات الصحية، لإتاحة خدمات التأمين الصحي وتوفيرها. وهو ما يؤكد أهمية مراعاة الأولويات عند تحديد المدة الزمنية لكل هدف.

وبهذا تصبح هذه الأهداف الاستراتيجية هي محور التخطيط عند كل وزارة، بعد وضع الخطة الشاملة للدولة، ويتم تجميع البيانات الأساسيةاللازمة، وكذلك إتاحتهالوضع الخطط وفقاً لها. ولعل أهم هذه البيانات الأساسية تعداد السكان وتوزيعه ... الميزانية المتاحة ... مصادر الدخل القومي وسبل زيادتها ... موقف ميزان المدفوعات ... حجم الدين الداخلي والخارجي ... وغيرها من البيانات التي تؤثر في التخطيط العام للدولة، والقدرة على تحديد التوقعات المستقبلية.

بعدها تبدأ كل وزارة، على حدى، في وضع خططها المستقبلية، وتمر هذه الخطط بمرحلة من أصعب المراحل، وهي التنسيق بين الوزارات والهيئات المختلفة في المطالب المتبادلة بينهم؛ فمثلاً لو وضعت وزارة الطيران خطة لإنشاء مطارات جديدة، فإن ذلك يستوجب من وزارة النقل توفير الطرق المستخدمة في تلك المطارات، فضلاً عن مطالبها من البنية الأساسية من وزارة الإسكان، إضافة إلى إدراجها ضمن خطة وزارة الكهرباء، لضمان إمدادها بالكهرباء اللازمة ... وهكذا.ويقع العبء الأكبر على وزارات الدخل، مثل الاستثمار، والسياحة، والبترول ... أما الوزارات الخدمية مثل الصحة، والتعليم والإسكان، فهي التي يعتمد تنفيذ مطالبها على الاستراتيجية العامة التي حددتها الدولة حتى عام 2030 ... ويتم تقسيم مطالبها على مراحل، وفقاً لسنوات التنفيذ من ناحية، والموارد المتاحة من ناحية أخرى. وأعتقد أن التنمية البشرية للدولة في مجالات الصحة والتعليم، يجب أن تحصل على نصيب الأسد خلال الفترات الأولى من الخطة، حيث سترتكز الخطة في مراحلها الأولى على تأهيل العمالة، عن طريق تطوير التعليم في مصر، بما يحقق استثمارات كبيرة.وهكذا نجد أن تكامل الخطة قد يحتاج إلى أكثر من عام، فقط للتنسيق بين مطالب واحتياجاتالوزارات والهيئات، لتحقيق الأهداف الاستراتيجية التي حددتها الدولة في البداية.

وعند استقرار الخطة العامة للدولة، ومعها خطط الوزارات، حتى عام 2030، تبدأ مرحلة التنفيذ. ويتم التنفيذ على مراحل من خلال خطط خمسية، ولكن ليس للوزارة ككل، وإنما لكل قطاع بالوزارة على حدى. فيمكن لوزارة التعليم، مثلاً، أن تحدد خطة خمسية للارتقاء بالتعليم الفني، تركز عليها في المرحلة الأولى لمدة خمس سنوات، بهدف إيجاد العمالة الماهرة اللازمة في تنفيذ الخطط الاستثمارية في المراحل اللاحقة، تلك الاستثمارات التي تعد قاطرة الاقتصاد، لما تحققه من دخل أكبر يساعد على استكمال وتنفيذ المخطط العام للدولة.

وبرأيي أن وزارتي التخطيط والمالية هما من ستتحملان عملية هذا المخطط الشامل، يعاونهما في المهمة كل من البنك المركزي،والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تحت الإشراف المباشر لرئيس مجلس الوزراء. وهو ما قد يستلزم تشكيل لجنة دائمة، من كافة الوزارات، تجتمع دورياً كل أسبوعين، للتنسيق المبكر بين مطالب كافة الوزارات، وتحديد أولويات وأسبقية تنفيذ كل وزارة للخطط المحددة، وذلك في ظل الإمكانات والقدرات المتاحة.

لقد سقت هذه الأفكار، مع بدء الدولة في إعداد خطتها حتى عام 2030، متمنياً أن تقوم الحكومة الحالية بإعداد خطة متكاملة، يتم تنفيذها حتى هذا العام.

إن ما قبلناه، في الماضي القريب،من أن تعمل الحكومات بدون خطة مستقبلية، في ظل كونها حكومات "تسيير أعمال"، لا أرانا نقبله اليوم في ظل وجود حكومة مستقرة، ومجلس نواب منتخب، ورئيس شرعي منتخب، ودستور. لقد أصبح لمصر خطة مستقبلية، تحقق للمصريين أهدافهم وطموحاتهم. وتبتعد عما يعرف بخطط "إطفاء الحرائق" ... أو الإدارة بالأزمات Management by Crisis، لأن مصر الواعدة تستحق التخطيط المسبق، المتكامل حتى عام 2030.

Email: sfarag.media@outlook.com