العودة إلى الفهرس الرئيسي

لتحميل الوثيقة في صورة PDF

من المقــال

وحتى يومنا هذا، تدرس هذه المعركة، في كل المعاهد العسكرية الجوية في العالم، باعتبارها المعركة التي استخدمت فيها، على الجانب الإسرائيلي، أحدث مقاتلات القوات الجوية في قوات حلف الناتو، بينما استخدمت مقاتلات قوات حلف وارسو، على الجانب المصري.

ذكرى معركة المنصورة الجوية
 

لواء د. سمير فرج

 14 أكتوبر 2021


تحتفل القوات الجوية المصرية، اليوم، الرابع عشر من أكتوبر، بعيدها، وهو اليوم الذي تم تحديده بعد النصر العظيم الذي حققته القوات الجوية، برجالها من القوات المسلحة، في معركة المنصورة الجوية، أشهر المعارك الجوية، في العصر الحديث، تلك المعركة التي شهدت أحداثها سماء الدلتا المصرية، يوم 14 أكتوبر من عام 1973، وتحديداً فوق منطقة مطار المنصورة العسكري، في أكبر هجوم جوي تشنه إسرائيل ضد مصر في عملياتها الجوية.

استهدف العدو الإسرائيلي، من هذه المعركة، تدمير القواعد الجوية المصرية، في دلتا النيل، في طنطا والمنصورة والصالحية، ولذلك فقد جاء اقتراب الطائرات المقاتلة الإسرائيلية، من القواعد المصرية، من جهة البحر المتوسط، نظراً لأن أي محاولة للهجوم من اتجاه سيناء، كان سيعرض طائرات العدو، لضربات حائط الصواريخ المصرية، غرب القناة، ذلك الحائط الذي شل قدرة القوات الجوية الإسرائيلية، ومنعها من التدخل ضد قواتنا المسلحة، أثناء عبورهم لقناة السويس يوم السادس من أكتوبر 1973.

اشترك في تلك المعركة الجوية 200 طائرة حربية؛ 120 طائرة منهم تابعين للجانب الإسرائيلي، من أنواع الفانتوم وسكاي هوك وميراج 2000، مقابل 80 طائرة حربية تابعة للقوات المصرية، من طراز ميج 21 وسوخوي 7 وميراج 2000، إضافة إلى محطات الرادار المصرية، المسئولة عن توجيه وإدارة أعمال قتال تلك الطائرات المصرية.

اعتمد فكر الخطة الجوية الإسرائيلية على تنفيذ ضربتهم من خلال ثلاث موجات جوية؛ تستهدف الموجة الأولى استدراج طائرات الميج المصرية لإبعادها عن الطائرات التي تحميها، بينما تتولى الموجة الثانية ضرب وإسكات الدفاعات الجوية المصرية والرادارات، وذلك تمهيداً لقيام الموجة الثالثة، أو الموجة الهجومية، بتنفيذ الهدف من العملية، بضرب المطارات المستهدفة.

دارت أحداث هذه المعركة، العظيمة، على مدار 53 دقيقة، لتُسجل في المراجع العسكرية كأطول، وأقوى، وأشرس المعارك الجوية، في التاريخ العسكري الحديث، والتي انتهت بانتصار القوات الجوية المصرية. فرغم التفوق العددي والنوعي للطائرات الإسرائيلية، إلا أن حجم الخسائر بين صفوف القوات الإسرائيلية وصلت إلى 17 طائرة إسرائيلية، بينما خسرت القوات الجوية المصرية خمس طائرات، فقط، سقط اثنان منهم بسبب نفاذ الوقود.

وحتى يومنا هذا، تدرس هذه المعركة، في كل المعاهد العسكرية الجوية في العالم، باعتبارها المعركة التي استخدمت فيها، على الجانب الإسرائيلي، أحدث مقاتلات القوات الجوية في قوات حلف الناتو، بينما استخدمت مقاتلات قوات حلف وارسو، على الجانب المصري. فضلاً عن “معركة المنصورة” شهدت، لأول مرة، استخدام قوات الحرب الإلكترونية لأعمال الإعاقة والتشويش من كلا الجانبين المصري والإسرائيلي، وهي أعمال لم تستخدم من قبل في أي معركة، كما ظهر فيها، أيضاً، الأعمال المضادة للحرب الإلكترونية.

وأثبتت هذه المعركة ارتفاع مستوى تدريب، وكفاءة، الأطقم الأرضية، المصرية، سواء المسئولة عن توجيه المقاتلات المصرية، نحو أهدافها الإسرائيلية، أو تلك الموجودة على أرض المطارات العسكرية، لإعادة تموين الطائرات، بعد عودتها من الاشتباك، وإعادة تسليحها، والكشف السريع، والمنضبط، عن الصيانة اللازمة، بما يمكن الطائرات المقاتلة من العودة إلى سماء المعركة، في زمن قياسي، وهو ما كان أحد أهم عوامل النصر المصري في هذه المعركة.

وقد أشادت كافة التقارير الدولية، الصادرة عن كبرى مراكز الدراسات العسكرية، بكفاءة الطيارين المصريين، الذي كان السبب في تخطي عقبة التدني النسبي لكفاءة الطائرات السوفيتية الميج 21 والسوخوي، أمام نظائرها من الفانتوم وسكاي هوك. وأذكر تعليق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، في تقريره، بأن الطيارين الإسرائيليين دخلوا هذه المعركة معتمدين على شهرتهم في حرب 67، بأنهم اليد الطولى للجيش الإسرائيلي، فكان غرورهم أحد أسباب فشلهم، بينما خاضها الطيار المصري معتمداً على تدريبه وروحه المعنوية وتصميمه على إزاحة هزيمة حرب 67، فتحقق له النصر في هذه المعركة الجوية.

كما أشادت الدراسات التحليلية، لهذه المعركة، بقدرة القوات الجوية المصرية على التنسيق مع قوات الدفاع فوق منطقة المنصورة والدلتا بالكامل وقطاع بورسعيد العسكري، مؤكدة على قدرة عناصر الدفاع الجوي الأرضية، وقوات الدفاع الجوي من الصواريخ، فرغم اشتباك كل هذه الأعداد من الطائرات المقاتلة، إلا أنه لم تصاب أي طائرة مصرية بنيران صديقة، وهو ما يعد إنجاز عسكري، يحسب لقيادتي القوات الجوية والدفاع الجوي في مصر.

وفي كل عام، أتذكر أيام دراستي في كلية كمبرلي الملكية بإنجلترا، التي نظمت لنا زيارة لكلية براكنل البريطانية للقوات الجوية، وخلال استماعنا لمحاضرة عن تطوير القوات الجوية، في العالم، فوجئت بالمحاضر يقدم لنا “معركة المنصورة الجوية”، باعتبارها أهم معركة جوية في التاريخ الحديث، بين القوات الجوية الإسرائيلية والمصرية، ومؤكداً أنها غيرت مفاهيم القتال الجوي في العالم، بعدما نجحت القوات الجوية المصرية، بحسن توظيف إمكاناتها، في إسقاط 17 طائرة إسرائيلية، بينما فقدت هي خمس طائرات، اثنان منهم لنفاذ الوقود. وبعد انتهاء حرب أكتوبر، وحتى يومنا هذا، يتم رفع كفاءة القوات الجوية المصرية بتزويدها بطائرات حديثة مثل F16 الأمريكية، والرافال الفرنسية، والميج 29 الروسية المتطورة، وصارت الجميع يسارع لتنفيذ تدريبات مشتركة مع القوات الجوية المصرية، نظراً لخبرة أبنائها المكتسبة من حرب أكتوبر، بالإضافة إلى تسليحهم الحديث.

وهكذا فإن سماع، ورؤية، اسم “معركة المنصورة الجوية” يتردد في محاضرات كل المعاهد الاستراتيجية والأمنية، وكافة المراجع العسكرية، حول العالم، يشعرنا بالعزة والفخر بكفاءة القوات المسلحة المصرية، بكل أفرعها، ونتأكد من أن قواتنا الجوية ستظل، دوماً، القوة الضاربة، بفضل طياريها ومقاتليها، الذين محوا عار الخامس من يونيو 67.



Email: sfarag.media@outlook.com