العودة إلى الفهرس الرئيسي

لتحميل الوثيقة في صورة PDF

من المقــال

واقتربت منه لأستوضح ما يقصده، ففوجئت أن الكتاب الجديد، حينها،للأستاذ هيكل، الطريق إلى رمضان، يتم نشره، تباعا، فى العدد الأسبوعى لأهم جريدة لندنية، صن داى تايمز.

فى ذكرى ميلاد محمد حسنين هيكل
 

لواء د. سمير فرج

 30 سبتمبر 2021


إنه الأستاذ... الأستاذ محمد حسنين هيكل، أحد عظماء تاريخ مصر الحديث، وأعظم الكتاب الصحفيين، ليس فى بلاط صاحبة الجلالة المصرية، فحسب، وإنما على المستوى العربى والدولى.

عرفت اسمه منذ طفولتى، فى ظروف غير سعيدة؛ فلم أكن، حينها، مدركا قدره ومكانته، إذ كان والدى، رحمة الله عليه، يوقظنى مبكرا، فى إجازتى المدرسية، يوم الجمعة، لشراء صحيفة «الأهرام» العريقة، ليقرأ مقال الأستاذ الأسبوعى «بصراحة»، وهو يحتسى فنجان القهوة،السابق للإفطار. فلقد كان لذلك المقال الأسبوعى، ثقل خاص، فى عالم الصحافة المصرية والعربية، وهو ما أضفى ميزة كبيرة على صحيفة «أهرام» يوم الجمعة.ترجع أهمية المقال لقرب الأستاذ محمد حسنين هيكل من الرئيس الراحل عبد الناصر، ورجال ثورة 52، مما أطلعه على الكثير من المعلومات، التى انفرد بها عن غيره، وهو ما استفاد به من خلال قدراته الفريدة على التحليل السياسى، بما جعل من مقال سيادته، مصدرا مهما، لجموع الشعوب العربية، لفهم الأحداث وعلاقاتها السياسية والدولية المتشابكة.

ومرت الأيام والتحقت بالكلية الحربية، واختلفت أسباب استيقاظى مبكرا يوم الجمعة، وما أن تخرجت حتى ذهبت إلى اليمن، للمشاركة فى حربها، فلم يكن لنا سبيل للحصول على الصحف، إلا أنه كان الكاتب الوحيد، فى تاريخ مصر، الذى يُقرأ مقاله الأسبوعى «بصراحة»، على إذاعة صوت العرب، فى السادسة من مساء يوم الجمعة.فكانت تلك فرصتنا، أنا وضباط الكتيبة، أن نلتف حول الراديو، فى تلك اللحظات، لنستمع إلى مقال الأستاذ هيكل، لنتعرف من خلاله على طرح وفكر القيادة السياسية فى مصر.

وعدنا إلى مصر، بعد حرب اليمن، للمشاركة فى حرب 67، وكان الأستاذ هيكل أول من استخدم لفظ النكسة، للتعبير عن نتائجها. وتوجهت كتاباته، بعدها، لانتقاد القوات المسلحة، ورغم أن نقده كان موجها للقيادات، إلا أنه كان سببا فى غضبى، مرة أخرى، لما رأيته فى ذلك من تجاهل لإيجابيات تلك الحرب، مثل استبسال وتضحيات المقاتلين، رغم مرارة النتيجة، ومع ذلك، لم يمنعنى غضبى من انتظار الاستماع إلى مقاله، مساء كل جمعة، إذ لم تكن الصحف تصلنا على الجبهة.

وبعد ست سنوات، بدأت حرب أكتوبر 73، المجيدة، وشاء القدر أن أتواجد فى غرفة عمليات القوات المسلحة، فرأيت الأستاذ هيكل، لأول مرة، وجها لوجه، عندما استدعاه الرئيس الراحل أنور السادات، ليتابع التوجيه الاستراتيجى، الذى وقعه الرئيس السادات كمهمة للقوات المسلحة لبدء هذه الحرب، حيث كلفه بمراجعة الجانب السياسى فى هذا التوجيه، فتابعت، عن قرب، هذا الرجل العظيم، وهو يتفانى فى عمله، وحبه لوطنه، من خلال لقاءاته مع الفريق الشاذلى واللواء الجمسى، ليشرحا له الخطة جرانيت، وسير أعمال القتال، تلك اللقاءات التى تكررت فى غرفة عمليات الحرب، لمتابعة ومناقشة القادة فيما يتم على الجبهة.

وانتهت الحرب بانتصار قواتنا الباسلة، وابتعثت، بعدها بعامين، للدراسة بكلية كمبرلى الملكية فى إنجلترا، فاستننت سنة، بأن أخصص يوم الأحد، من عطلة نهاية الأسبوع، لزيارة متاحف لندن، التى تفتح أبوابها بالمجان فى ذلك اليوم. وفى إحدى تلك المرات، وبينما أنا خارج من محطة مترو الأنفاق «الهايد بارك كورنر»، سمعت الصبى الإنجليزى، بائع الصحف، يناديSunday Times … Road to Ramadan … Heikal، أو جريدة «الصن داى تايمز ...الطريق إلى رمضان ... هيكل»، فاستوقفنى النداء، واقتربت منه لأستوضح ما يقصده، ففوجئت أن الكتاب الجديد، حينها،للأستاذ هيكل، الطريق إلى رمضان، يتم نشره، تباعا، فى العدد الأسبوعى لأهم جريدة لندنية، صن داى تايمز.

لم تكن تلك المفاجأة الوحيدة، فى ذلك اليوم، ففى المساء، بينما أتابع النشرة الإخبارية، على قنوات الشبكة الرئيسية للتليفزيون البريطانى، BBC، إذا بالخبر الثالث فيها هو استقبال هيكل، فى لندن، بمناسبة إصدار ذلك الكتاب، بالتعاون مع أهم صحيفة فى إنجلترا، وذاعت القناة ردود أفعال الشارع الإنجليزى على ذلك الخبر، فشعرت بالفخر والعزة لما سمعته على ألسنتهم من تقدير واحترام لذلك الكاتب المصرى، والصحفى العالمى، الذى تكررت زياراته إلى لندن للمشاركة فى الندوات السياسية، وكانت أخباره تملأ قنوات BBC.

ومرت السنوات، وتابعت حلقات هيكل على قناة الجزيرة، وهو يحكى قصة ثورة 52، مدعومة بالوثائق الأصلية، ورغم حزنى أن قناة الجزيرة هى التى قدمت تلك الحلقات، إلا أنها كانت تؤرخ لفترة عظيمة من تاريخ مصر. ومرت سنوات أطول، قبل أن ألتقيه، لثلاث مرات أخرى، وجها لوجه، فى منزله الأنيق، على نيل القاهرة، بتكليف من المجلس العسكرى، بعد أحداث يناير 2011، تلك اللقاءات التى استمتعت خلالها بآرائه الثاقبة، والتى أهدانى فى نهايتها كتبه الثلاثة الأخيرة. وبعد تلك اللقاءات الشخصية، وبعد متابعة حواراته اللاحقة، مع الإعلامية المتميزة لميس الحديدى، عن أحداث 2011، تأكدت أنه من القلائل، فى حياتى، ممن أنعم الله عليهم بذاكرة حديدية، وقدرة ثاقبة على ربط الأحداث وتحليلها، فكتبت، بعد رحيله، متمنيا أن تكون جميع وثائقه، قد حفظت بالطريقة السليمة، باعتبارها كنزا من كنوز مصر السياسية، ولتخليد ذكراه كواحد من أبناء مصر المخلصين والمتميزين الذين تفخر مصر بهم ... رحمة الله على الأستاذ محمد حسنين هيكل.



Email: sfarag.media@outlook.com