العودة إلى الفهرس الرئيسي

لتحميل الوثيقة في صورة PDF

من المقــال

فأجبت صديقى يا عزيزى نحن نعيش الآن فى عصر الأوانى المستطرقة، وما يحدث بين أوكرانيا وروسيا من ناحية، والولايات المتحدة ودول حلف الناتو من ناحية أخرى، ستنسحب آثاره، المباشرة، على مصر، وغيرها.

نحن نعيش فى عصر الأوانى المستطرقة
 

لواء د. سمير فرج

 17 فبراير 2022


كنت ضيفا، منذ أيام قليلة، على أحد برامج القنوات الفضائية، للحديث عن التوجهات الإستراتيجية العالمية مع بداية عام 2022، والمتغيرات المُتوقعة، فى ظل الصراعات والنزاعات الجارية، والتى لم تعد بقعة من العالم تخلو منها، أو من شرارة بداياتها، التى قد تتحول، فى لحظة، إلى مواجهة عسكرية، تخيم عواقبها على أطراف أخرى، رغم شيوع الفهم الخاطئ باقتصار آثار المشكلات والنزاعات على مراكز اندلاعها، وهو ما يتنافى مع مفاهيم العولمة، التى حولت العالم إلى قرية صغيرة، دون مبالغة، بما لذلك من مآثر ونقائص.

وخلال تلك المقابلة التليفزيونية، كنت قد تطرقت لما يجرى فى أوكرانيا، بوجود الحشود العسكرية الروسية على حدودها، وهو ماقدرته الولايات المتحدة الأمريكية، ودول حلف الناتو، بأنه تمهيد لتقدم القوات الروسية لاحتلال أوكرانيا، مثلما حدث فى 2014، عندما قامت روسيا بالهجوم على شبه جزيرة القرم، الأوكرانية، والاستيلاء عليها، وإعلان انضمامها إلى روسيا. وعقدت، فى لقائى التليفزيونى، مقارنة بين ميزان القوى العسكرية الروسية ونظيرتها الأوكرانية، فرجحت كفة روسيا، وتطرقت لما لتلك المواجهة العسكرية المحتملة من نتائج، فى ظل وعيد الولايات المتحدة الأمريكية، ودول حلف الناتو، بفرض عقوبات اقتصادية شديدة على روسيا، حينها.

وبعد الحلقة، اتصل بى أحد الأصدقاء، معلقاً بأننى قد أفردت مساحة عريضة، لحديثى عن أزمة أوكرانيا وروسيا، البعيدة عنا، فى مقابل حديثى عن أحداث منطقة الشرق الأوسط، رغم أننى عرضت المشكلة الإيرانية، وأزمة سد النهضة، والموقف فى اليمن وانعكاساته على أمن البحر الأحمر، وغيرها من مشاكل المنطقة. فأجبت صديقى يا عزيزى نحن نعيش الآن فى عصر الأوانى المستطرقة، وما يحدث بين أوكرانيا وروسيا من ناحية، والولايات المتحدة ودول حلف الناتو من ناحية أخرى، ستنسحب آثاره، المباشرة، على مصر، وغيرها.

فعلى سبيل المثال، لا الحصر، انخراط روسيا وأوكرانيا، فى عمل عسكرى، وهما من أكبر الدول المصدرة للقمح، فى العالم، سينعكس سلباً على مصر، باعتبارها من أكبر الدول المستوردة للقمح فى العالم. فمثل تلك المواجهة العسكرية من شأنها التأثير سلبا على حجم إنتاج القمح عالمياً، وبالتالى ارتفاع أسعاره، بسبب نقص المعروض، تطبيقاً لمبادئ نظريات العرض والطلب، وهو ما يحتم على مصر، ضرورة متابعة الأزمة الروسية الأوكرانية، والبدء، فوراً، فى دراسة البدائل المتاحة، لتدبير احتياجاتنا من القمح، فى حال نقص الإمدادات العالمية، علماً بأن تلك البدائل قد تنطوى، أو ستنطوى، على ضرورة تدبير اعتمادات مالية أكبر، لمواجهة ارتفاع الأسعار العالمية، وما لذلك من انعكاسات على موازنة الدولة.

وكما للعولمة من نقائص، فلها بعض المآثر، ففى حال شنت روسيا هجومها على أوكرانيا، ونفذت الولايات المتحدة عقوباتها الاقتصادية عليها، التى من ضمنها وقف تصدير الغاز الطبيعى الروسى لدول شمال أوروبا، والبالغ حوالى 40% من احتياجات الأخيرة، عبر خط نورد ستريم 2 الجديد، الناقل للغاز الطبيعى من روسيا إلى أوروبا، فستتاح الفرصة لمصر، لتصدير فائض إنتاجها من الغاز الطبيعى إلى أوروبا.

وبالطبع، وقبل التفكير فى فرض مثل تلك العقوبة، كانت الولايات المتحدة قد درست البدائل المتاحة لتوفير الغاز الطبيعى لأوروبا، ومن ضمنها غاز قطر، فاستدعت، على الفور، أمير قطر، وطلبت منه الاستعداد لتوفير احتياجات أوروبا، بتبديل عدد من عقود الغاز من قطر إلى الصين واليابان، وتوجيهها إلى أوروبا. كما صرحت الولايات المتحدة بأنه ضمن خطتها،متوسطة المدى، سرعة استغلال احتياطى الغاز فى شرق المتوسط،مشيرة إلى مصر بالاسم، وضرورة الإسهام فى استخراج احتياطييه الكبير من الغاز الطبيعى فى شرق المتوسط. وهكذا يتأكد لنا أننا يا عزيزى نعيش فى عصر الأوانى المستطرقة، وأن ما يحدث فى روسيا وأوكرانيا وشمال أوروبا، يمتد صداه إلى مصر. تماماً، مثلما عانى العالم بأكمله، العواقب الاقتصادية لجائحة كورونا، عندما انخفض إنتاج الشرائح الإلكترونية،المتمركز فى دول آسيا، مثل الصين، فتأثرت به مصانع السيارات فى أوروبا.

ونتذكر، جنوح ناقلة الحاويات Ever Given، فى قناة السويس، فى مارس الماضى، ومسارعة دول العالم، فى إعلان استعدادها لمساعدة مصر، فى تعويم السفينة، لأن توقف الملاحة فى قناة السويس، يعنى عدم مرور 30% من حجم التجارة العالمية إلى أوروبا، ويعنى عدم مرور 20% من نفط الخليج إلى أوروبا، ويعنى تحويل الملاحة لطريق رأس الرجاء الصالح، وما يستتبعه من زيادة تكاليف نقل البضائع ... ومثال آخر، إعلان إسرائيل استعدادها للقيام بعمليات عسكرية، لتدمير المواقع النووية فى إيران، حتى لو اضطرت للقيام بها منفردة، وما يستتبعه من رد إيرانى متوقع، من شأنه إحداث أزمة فى سوق النفط، المتمركز 30% من إنتاجه العالمى فى منطقة الخليج العربى، من شأنه إحداث أزمة اقتصادية عالمية، تتأثر بها دول العالم، القاصى والدانى منها.

أؤكد لك يا صديقى أننا نعيش فى عصر الأوانى المستطرقة... وكل ما يحدث فى أطراف العالم، يؤثر على قلبه، والعكس صحيح، لذا يتوجب علينا الحيطة والحذر واليقظة، فى متابعة تفاصيل ما يدور حولنا، بالدراسة والتحليل والاستنتاج والاستعداد لكل ما يؤثر على بلدنا الحبيب مصر.



Email: sfarag.media@outlook.com