العودة إلى الفهرس الرئيسي
لتحميل الوثيقة في صورة PDF
من المقــال
ومع ذلك خدعت إثيوبيا باقى دول منابع النيل الأبيض بموضوع إعادة توزيع مياه النيل على الجميع وهو أمر مستحيل.
|
حكاية السد الإثيوبى - 2
|
لواء د. سمير فرج
|
13 نوفمبر 2025
|
استكمالا لتلبية طلبات شباب الجامعات بمعرفة حقائق السد الإثيوبى ومستقبل مياه نهر النيل فى مصر، فقد أوضحنا فى مقال الأسبوع الماضى منبعى نهر النيل، الأول فى الهضاب الحبشية وهو المنبع القريب نسبيا والمسئول عن فيضان النيل وهو منبع موسمى تتدفق مياهه صيفا وتجف شتاء، ثم المنبع البعيد لهضبة البحيرات الاستوائية العظمى منبع النيل الأبيض وهو دائم الجريان طوال العام، وكيف أن المنبعين منفصلان تماما وأن مياه كل منبع لا يمكن أن تذهب إلا إلى السودان ومصر فقط، ومع ذلك خدعت إثيوبيا باقى دول منابع النيل الأبيض بموضوع إعادة توزيع مياه النيل على الجميع وهو أمر مستحيل وضد الانحدار والخلق الطبيعى للنهر، وكان الغرض منه فقط استخدامهما لدعم إثيوبيا فى السيطرة على مياه الأنهار الثلاثة التى تنبع من أراضيها وتمثل 85% من مياه النيل بحجم 72 مليار م3 مقابل 13 مليار م3 لتدفقات النيل الأبيض، وهو ماتم إيضاحه لهذه الدول لتستفيق من أسلوب الخداع الإثيوبي.
بدأت المفاوضات الرسمية عام 2011 فور وضع حجر أساس السد وضمت مصر والسودان مع الجانب الإثيوبى لمناقشة الأضرار التى يمكن أن تلحق بدولتى المصب من هذا السد الضخم المقام على منحدر على الحدود مع السودان وهو ذو السعة التخزينية الضخمة بحجم 74.5 مليار م3 فى حالة انهياره أو انجرافه مع أى فيضان ضخم وما يمكن أن ينجم من تدفق هذا الحجم من المياه على مصر والسودان.
وطلبت مصر تشكيل لجنة دولية من خبراء السدود والموارد المائية للحكم على سلامة أمان وثبات السد ثم احتمال تسببه فى إلحاق الضرر بدولتى المصب سواء قائما (فى السنوات العجاف) أو منهارا، وتأثير ذلك على السدود القائمة فى السودان مثل سد الروصيرص القريب جدا من السد الإثيوبى ومن بعده سدا سنار على النيل الأزرق ثم مروى على النيل الموحد شمالًا لكونها سدودا صغيرة قليلة السعة التخزينية والتى يمكن أن تنهار مع أى أخطاء فى تشغيل هذا السد مستقبلا.
وافقت إثيوبياعلى تشكيل لجنة دولية لمعاينة السد وتحديد أضراره ومدى إمكان منعها أوالتعويضات اللازمة عن الأضرار المحتملة التى ستلحق بدولتى المصب، لكنها اشترطت استمرار العمل فى السد أثناء عمل اللجنة مع أن هذا يتعارض مع التعديلات التى يمكن أن توصى بها اللجنة الدولية على السد لتلافى أو تقليل الأضرار. تم تشكيل لجنة من خبراء من ألمانيا وإنجلترا وفرنسا وجنوب أفريقيا، وكان من المفترض أن تنهى أعمالها فى ستة أشهر ولكن بسبب التسويف والمماطلة الإثيوبية فى تسليم الرسومات الهندسية والدراسات البيئية والاقتصادية والاجتماعية فقد استمرت لعام ونصف عام وسلمت اللجنة تقريرها فى مايو 2013. أدان التقرير السد وضعف رسوماته الإنشائية، كما أدان عدم وجود دراسات مسبقة عن تأثير السد على دولتى المصب ومجرى النهر، وبعدها تهربت إثيوبيا من تشكيل أى لجنة دولية لأنها تعلم أن سدها مخالف ومدان وبدون دراسات ولا يتبع الخطوات الأممية اللازمة لبناء السدود فى بلاد منابع الأنهار وأصرت على أن تكون المفاوضات محلية فقط بين خبراء الدول الثلاث فقط لضمانها عدم وجود شهود دوليين على مخالفاتها، وتوقفت بعدها المباحثات.
استؤنفت المفاوضات مرة أخرى عام 2015 واستمرت حتى نوفمبر 2022 دون الاتفاق على بند واحد لنظامى الملء والتشغيل للتوربينات بالمعدلات الدولية لضمان وصول معدلات المياه المعتادة من النيل الأزرق لمصر والسودان وطالبنا بأن تضمن إثيوبيا حدا أدنى من المياه تخرج سنويا من السد تماثل أو تقارب ما كان يشارك به النيل الأزرق فى مياه نهر النيل قبل بناء السد. وطوال هذه السنوات كان من الواضح لوفدى مصر والسودان أن إثيوبيا تريد استنزاف الوقت فى مفاوضات لا تنتهى أبدا وعمل فى السد لا يتوقف، وليس لديها أى استعداد لتوقيع اتفاقية تضمن حقوق دولتى المصب فى مياه النهر وأنها تريد فقط إدارة السد منفردة والتحكم فى مياه النيل الأزرق، دون اعتبار لكونه موردا مائيا مشتركا تكون عليه سيادة مشتركة وليست فردية، فلا ميزة لإثيوبيا كونها دولة منبع ولا عيبا على مصر كونها دولة مصب ولا أن إثيوبيا تستمطر السحاب بتقنياتها، وليس كونه موردا طبيعيا من صنع الخالق.
استكملت إثيوبيا عمليات الملء بعد إيقاف المفاوضات وكان القدر رحيما على غير الإرادة الإثيوبية حيث جاء الفيضان عاليا بما منع حدوث أضرار بدولتى المصب إلى أن أعلنت إثيوبيا فى 9 سبتمبر 2025 استكمال بناء السد وملء البحيرة بكامل سعتها، وأقامت احتفالية كبيرة بهذه المناسبة للاستهلاك المحلى فقط ومخاطبة الداخل الإثيوبى حيث لم يحضر الاحتفال إلا دولتان فقط من دول منابع النيل الاحدى عشرة، بما يعنى ضمنيًا عدم موافقتها على هذا السد.
كما لم يحضر من الدول الإفريقية إلا دولتان من أصل 55 دولة، وهو ما يوضح قوة وموضوعية الموقف المصري. ولأن إثيوبيا ملأت بحيرة السد بأقصى سعة تخزينية مع بدايات سبتمبر فقط من أجل تصوير رئيس الوزراء الإثيوبى وخلفه البحيرة ممتلئة تماما بالمياه حيث لم تصرف أى قدر من المياه من السد لمصر والسودان خلال شهرى يوليو وأغسطس، ومتناسية أن فيضان النيل الأزرق يستمر خلال سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر وحتى ديسمبر، وأنها لم تترك فراغات فى بحيرة التخزين لتستوعب باقى مياه الفيضان.
Email: sfarag.media@outlook.com
|