العودة إلى الفهرس الرئيسي
لتحميل الوثيقة في صورة PDF
من المقــال
حذرت مصر إثيوبيا من تبعات تغير المناخ والتى يمكن أن تضرب منابع النهر فى إثيوبيا.
|
حكاية السد الإثيوبى - 3
|
لواء د. سمير فرج
|
20 نوفمبر 2025
|
تناولنا عبر مقالين من هذه السلسلة حكاية السد الإثيوبى منذ بدايتها عبر حوارات مع الصديق الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، ووصلنا إلى اكتمال البناء والتخزين بعد 14 سنة، وافتتاح السد الإثيوبى فى بدايات سبتمبر الماضى.
ونتيجة لإصرار إثيوبيا الخاطئ على ملء بحيرة السد بكامل سعتها التخزينية فى منتصف شهور الفيضان دون ترك فراغات لما هو قادم من مياه، اضطرت إثيوبيا فى الأسبوع الأخير من سبتمبر إلى فتح عدد من البوابات صرفت خلالها نحو 7.6 مليار م3 خلال عشرة أيام فقط أى مايعادل تدفق 25 مليار م3 فى الشهر وهو ضعف أقصى كمية مياه معتادة فى ذروة الفيضان فى يوليو وأغسطس، بما تسبب فى فيضانات جارفة فى السودان تسببت فى مقتل عدد من الأشقاء فى ولايتى كسلا والنيل الأزرق وهددت سدود هاتين الولايتين بالانهيار بخلاف تدمير وغمر المنازل وتوقف الحياة. هذا الأمر سبق أن أوضحته مصر بحتمية الإدارة المشتركة لمياه هذا السد بما يمنع هذه الأضرار على السودان ومصر بسبب فيضان من صنع أخطاء البشر وليست من صنع الطبيعة بسبب المكابرة وتغليف الباطل بالحق وادعاء السيادة على مياه مشتركة. كان من المتوقع أن تصل هذه الكميات الكبيرة من المياه إلى مصر وتحدث بها أضرارا مماثلة لما حدث فى السودان لولا وجود السد العالى وبحيرة تخزينه الكبيرة والتى أنقذت مصر من هذا الفيضان البشرى كما أنقذتها من قبل من فيضانات مماثلة وأنقذتها أيضا من سنوات عجاف طويلة آخرها التى امتدت سبع سنوات من 1981 وحتى 1988.
وعبر المفاوضات الطويلة طالبت مصر الجانب الإثيوبى بأن تكون هناك أولوية لمرور المياه لدولتى المصب خلال السنوات العجاف والتى قد تمتد لسبع سنوات وألا تكون الأولوية لتخزين هذه المياه القليلة، بل عرضت مصر أن تكتفى إثيوبيا فى السنوات العجاف بتوليد 80% من المستهدف توليده من الكهرباء وهو رقم كبير للغاية ولا يسبب أضرارا لإثيوبيا لأن الحق فى الحياة للبشر فى السنوات العجاف أهم من توليد الكهرباء، كما وأن أضرار السنوات العجاف ينبغى أن يتحملها الجميع وليس مصر فقط خاصة أن مخزون مياه السد الإثيوبى لن تستخدم فى الشرب ولا فى انتاج الغذاء بعكس الحال فى مصر والسودان. رفضت إثيوبيا هذا المطلب الإنسانى والواجب وأصرت على تعنتها فى رفض أى مقترحات يمكن أن تفيد غيرها.
حذرت مصر إثيوبيا من تبعات تغير المناخ والتى يمكن أن تضرب منابع النهر فى إثيوبيا وفى منابع النيل الأبيض وأن التوقعات التى ترقى إلى حد اليقين تشير إلى أن التغيرات المناخية المستقبلية قد تؤدى إلى احتمالات لتراجع نسب الهطول فى إثيوبيا باحتمال 70% مع حدوث إزاحة للأمطار شمالا كما رأينا فى السنوات السابقة بالهطول الصيفى غير المعتاد فى السعودية والإمارات والكويت وأسوان مصر وهى أصلا من أمطار الهضاب الحبشية. هذا الأمر يتطلب التعاون الكامل بين مصر وإثيوبيا والسودان لوضع استراتيجية مستقبلية للتعامل مع تداعيات تغير المناخ.
ولأن البند العاشر من إعلان مبادئ سد النهضة الموقع بين الدول الثلاث ينص على أنه إذا لم يتوصل خبراء الدول الثلاث لمصر والسودان وإثيوبيا لحلول يتوافق عليها الجميع فيما يخص الملء والتشغيل والتعامل مع السنوات العجاف وضمان حد أدنى من المياه تخرج من السد الإثيوبى، فيتم رفع الأمر إلى رؤساء الدول الثلاث للتوصل إلى حل سياسى حيث إن الأمور الفنية لا يوجد بها حلول وسط كما فى الحلول السياسية، وإذا لم يتحقق الأمر يتم الاتفاق على وسيط دولى لتقريب وجهات النظر وتوقيع اتفاق. وطبقا لذلك استجابت الدول الثلاث إلى دعوة الرئيس ترامب فى ولايته الأولى وتم عقد اجتماعات استمرت ثلاثة أشهر فى واشنطن حتى فبراير 2020 وتم التوصل إلى اتفاق ارتضاه الجميع ووقعت مصر، ولكن إثيوبيا تراجعت عن موافقتها ورفضت التوقيع وانسحب الوفد الإثيوبي.
كان سد النهضة من الأمور الضاغطة على مصر للإسراع بتنفيذ استراتيجية التعامل مع الشح المائى بسبب الزيادة السكانية وتغير المناخ ثم السد الإثيوبى، وتضمنت الاستراتيجية ثلاثة بنود رئيسية وهى تنمية وزيادة الموارد المائية بتحلية مياه البحر والتوسع فى إعادة استخدام مياه المخلفات بعد معالجاتها والكشف عن مياه جوفية، ثم تقليل الفواقد مع ترشيد الاستخدامات بتبطين الترع وتحديث طرق الرى، وأخيرا إعادة هيكلة السياسات الزراعية بتقليل مساحات الزراعات العالية الاستهلاك للمياه والتحول إلى الزراعة فى الصوبات الزراعية الموفرة للمياه مثل مشروع المائة ألف صوبة.
وفى النهاية نود أن نشير إلى أن مستشار الرئيس الأمريكى لشئون الشرق الأوسط وإفريقيا أعلن أن الرئيس ترامب أعطى توجيهات بالتدخل للمرة الثانية فى ولايته الجديدة لاستضافة جولة مباحثات للوصول إلى اتفاق بين مصر والسودان وإثيوبيا، وسيكون إنجازا كبيرا للرئيس ترامب. وهكذا عزيزى القارئ نكون قد قدمنا من خلال المقالات الثلاث خلال الأسابيع الماضية ملفا كاملا يوضح حكاية السد الإثيوبى وينبغى أن نذّكر بأن الرئيس السيسى تسلم هذا الملف فى 2014 بعد ثلاث سنوات من بدء بناء السد وتعامل مع أمر واقع، وأن الرئيس قال بقوة «إن مصر لن تعطش أبدا وأن المياه خط أحمر».
Email: sfarag.media@outlook.com
|