العودة إلى الفهرس الرئيسي

لتحميل الوثيقة في صورة PDF

من المقــال

وعادة تقام مناورات النجم الساطع فى الخريف كل عامين، حيث بدأت فى أكتوبر 1980 بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1979.

النجم الساطع يعود إلى مصر
 

لواء د. سمير فرج

 28 أعسطس 2025


بدأت صباح اليوم، مناورات النجم الساطع Bright Star التى عادت مرة أخرى إلى مصر فى دورتها التاسعة عشرة، فى الفترة من الخميس 28 أغسطس حتى يوم 10 سبتمبر المقبل. وسوف يشارك فى هذا التدريب المشترك على أرض مصر 43 دولة، منها 14 دولة تشارك بقوات ومعدات عسكرية أكثر من 8 آلاف مقاتل، بينما تشارك 29 دولة بصفة مراقب. وتعد تدريبات النجم الساطع من أكبر التدريبات المشتركة التى تجريها الولايات المتحدة الأمريكية والقيادة الوسطى Central Command على مستوى الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.

وعادة تقام مناورات النجم الساطع فى الخريف كل عامين، حيث بدأت فى أكتوبر 1980 بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1979. وقد توقفت هذه التدريبات أربع مرات: الأولى عام 1991 بسبب حرب الكويت، والثانية عام 2003 بسبب حرب العراق، والثالثة عام 2011 بسبب أحداث 25 يناير، والرابعة عام 2013 بعد الإطاحة بحكم الإخوان فى مصر. وعموماً، تهدف مناورات النجم الساطع إلى تبادل الخبرات بين مختلف المدارس العسكرية وأنظمة التسليح المتطورة. بينما تركز الولايات المتحدة فى هذه التدريبات على اكتساب مهارات القتال فى الأراضى الصحراوية. وفى البداية يتساءل الجميع: هناك 14 دولة تشترك بقوات ومعدات وأسلحة، وهناك 29 دولة تشترك بصفة «مراقب»، ماذا يعنى ذلك؟ ولتوضيح هذا المفهوم أن الدول المراقِبة يحضر منها كبار القادة، وأربعة منهم على سبيل المثال بمستوى «رئيس أركان حرب»، أو «رئيس هيئة العمليات»، أو «رئيس هيئة التدريب» ومعهم المتخصصون لمتابعة كل ما هو جديد، فى هذه المناورات. ويأتى السؤال الثانى دائماً: لماذا يُجرى هذا التدريب فى مصر؟

الإجابة تأتى فى نقطتين أساسيتين. الأولى أن مصر هى آخر دولة دخلت حرباً تقليدية مع عدو قوى، وهى إسرائيل، حيث إن معظم الحروب التى شهدها العالم فى السنوات الأخيرة كانت من طرف واحد، باستثناء الحرب الروسية –الأوكرانية. أما حرب أكتوبر 1973 فكانت بين مصر وإسرائيل، وهو عدو قوى مسلح بأحدث الأسلحة والمعدات. ومن هنا خرجت مصر من هذه الحرب بخبرات قتالية كبيرة ما زالت تدرّس حتى الآن فى المعاهد العسكرية المختلفة، ومنها حائط الصواريخ الذى قدم للعالم نظرية تحييد القوات الجوية المعادية، ومنها تطوير قتال المشاة باستخدام الصواريخ الموجهة المضادة للدبابات دون الاعتماد على الدبابات، ومنها معركة المنصورة الجوية التى تُدرّس حتى الآن فى جميع المعاهد العسكرية فى العالم. لذلك يسعى الجميع للحضور إلى مصر للاشتراك فى هذه المناورات للاستفادة من خبرة القوات المصرية بعد حرب 1973.

كذلك تتمتع القوات المصرية بخبرة كبيرة فى القتال فى الصحراء، وهو ما يميزها عن غيرها. أما النقطة الاخرى فهى خبرة مصر فى القتال ضد الإرهاب، حيث حققت نصرا كبيرا فى القضاء على الإرهاب بعد معارك استمرت ست سنوات، خرجت منها القوات المسلحة بتجارب وخبرات عملية قيّمة. ولهذا أصبحت كيفية مواجهة الإرهاب أحد عناصر التدريب المشترك.

ويبقى السؤال: هل تستفيد مصر من هذه التدريبات المشتركة؟ والإجابة هى نعم، بالطبع. فهذه التدريبات تشارك فيها 14 دولة بقواتها وأحدث أسلحتها ومعداتها التى ترغب فى اختبارها عمليا. وهو ما يمثل فرصة للقيادة المصرية للتعرف على هذه الأنظمة والأسلحة الجديدة عن قرب، واختيار ما يلزم للقوات المسلحة عند التعاقد على شراء أى سلاح جديد.

كما أن مصر تتعرف من خلال هذه التدريبات على أساليب القتال فى العقيدة الغربية التى تتبعها الولايات المتحدة، وهى نفس العقيدة التى تتبعها إسرائيل العدو الرئيسى لمصر. وهذا ما أعتبره أكبر استفادة لمصر من هذه المناورات. إلى جانب ذلك، فإن هذه التدريبات ترفع الروح المعنوية لجنودنا. وأذكر أننى حضرت أكثر من أربع مرات هذه التدريبات المشتركة، خاصة يوم الرماية. ففى إحدى المرات كنت فى ميدان رماية الدبابات، حيث كان على يمين منصة العرض سرية دبابات مصرية من عشر دبابات «أبرامز M1A1» الأمريكية الصنع، وعلى اليسار سرية أمريكية (عشر دبابات أمريكية) من نفس النوع. وعندما بدأت الرماية بالذخيرة الحية أمام الجميع، بحضور وزير الدفاع المصرى ورئيس الأركان والملحقين العسكريين الأجانب فى مصر، وكثير من الضباط والطلبة العسكريين، انتهى التمرين بتحقيق السرية المصرية تقدير «امتياز»، بينما حققت السرية الأمريكية تقدير «جيد جداً». لقد كان يوماً مشهودا امتلأ فيه الميدان بالفرحة والفخر، وظهرت فيه كفاءة المقاتل المصرى أمام أعين الجميع.

ويجب ألا نغفل أن مصر تمتلك الآن أكبر قاعدة عسكرية فى الشرق الأوسط، وهى قاعدة محمد نجيب العسكرية غرب الإسكندرية، التى أنشئت خصيصاً لاستيعاب هذا الحجم من القوات والمعدات والأسلحة. القاعدة مجهزة بميادين تدريب على أعلى مستوى، ومساحات واسعة للتدريب الصحراوى، واستعدادات لوجستية وإقامة متكاملة للقوات المشتركة. كل ذلك يمثل فخراً للعسكرية المصرية، ويثبت للعالم أن مصر لديها جيش عظيم ليس فقط من الناحية القتالية، بل أيضاً فى القدرة على التنظيم والإدارة لأكبر وأعظم التدريبات العسكرية المشتركة فى العالم حالياً.

ويبقى السؤال الحائر: هل سيتم استخدام الأسلحة الجديدة، مثل الطائرات «الدرونز» التى أثبتت فاعليتها فى الحرب الروسية – الأوكرانية؟ وهل سيظهر استخدام الذكاء الاصطناعى «AI» فى هذه التدريبات؟

هذا ما سوف نراه خلال تدريبات «النجم الساطع» فى دورتها التاسعة عشرة، والتى ستكون مفاجأة هذا العام.



Email: sfarag.media@outlook.com