العودة إلى الفهرس الرئيسي

لتحميل الوثيقة في صورة PDF

من المقــال

ولتفادى أى نزاع طائفي، فقد أقر الدستور اللبنانى أن يتولى رئاسة الجمهورية مواطن مسيحي.

متى ينقشع الكابوس عن لبنان؟
 

لواء د. سمير فرج

 24 يوليو 2025


لبنان ... ذلك البلد العربى الجميل، الذى لُقب باسم «سويسرا الشرق»، بعدما خطف قلوب العالم بجماله، وروعة طبيعته، وثقافة شعبه، وتحضر أخلاقهم. يتوزع سكان لبنان بين عدد من الديانات والمذاهب؛ فتبلغ نسبة المسلمين 60% من تعداد السكان، ما بين السُنة، والشيعة، والدروز، والإسماعيليين، والعلويين، بينما تبلغ نسبة المسيحيين 39%، منهم الموارنة، والكاثوليك، والروم الأرثوذكس، والسريان، والبروتستانت، بالإضافة إلى وجود أقليات من اليهود، والهندوس.

ولتفادى أى نزاع طائفي، فقد أقر الدستور اللبنانى أن يتولى رئاسة الجمهورية مواطن مسيحي، وجرت الأعراف، أن يتم اختياره من بين الطائفة المارونية، بينما يتولى رئاسة مجلس النواب مسلم شيعي، وتكون رئاسة مجلس الوزراء بيد مسلم سُني. أما توزيع العضوية داخل مجلس النواب، فيتم تقسيمها بالتساوى بين المسلمين والمسيحيين، ليتكوّن مجلس النواب من 64 عضواً مسلماً، ومثلهم من المسيحيين.

وهكذا وضعت لبنان أسُساً دستورية لضمان استقرارها، إلا أن ذلك لم يرحمها من توالى مختلف المشكلات عليها، والتى من أبرزها مشكلة حزب الله، المحسوب على النظام الإيراني. ومع مرور الوقت، تمكن هذا الحزب من فرض سيطرته على السلطة التشريعية، حتى إنه حال دون انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية، الأمر الذى أدى إلى بقاء البلاد بلا رئيس، وتعيين حكومة، لتسيير الأعمال فقط، لمدة سنتين كاملتين، فارضاً بذلك حالة من الفراغ السياسي، فى بلد تحفه المخاطر من جميع الاتجاهات.

وبعد شهور من بدء الحرب، الجارية، فى غزة، شنت إسرائيل هجمات موجعة على حزب الله، استهدفت بها البنية الأساسية التحتية، كما قامت بعملية عُرفت باسم «عملية البيجر»، تمكنت فيها من اغتيال أكثر من 300 عضو بارز فى حزب الله، وصولاً لاغتيال حسن نصر الله، أمين عام حزب الله وزعيمه الروحي. ليتمكن لبنان، فى يناير 2025، من انتخاب السيد/ جوزيف عون رئيسا جديدا للجمهورية، وتشكيل مجلس الوزراء برئاسة السيد/ نواف سلام، بعد تعطل دام أكثر من سنتين، لتواجه الإدارة الجديدة أزمة نزوح اللاجئين من مختلف دول الجوار، ومنهم الفلسطينيون المقيمون فى مخيمات داخل لبنان، ويُعتبر كل مخيم وكأنه دولة داخل الدولة.

يُضاف لذلك سقوط نظام بشار الأسد فى سوريا، وخروج إيران من مشهد السيطرة على سوريا، لتنقطع خطوط الإمداد الإيرانية إلى لبنان، التى كانت تمر عبر سوريا، ورغم ذلك مازالت إسرائيل تشن هجومها، من آنٍ لآخر، على عناصر حزب الله فى لبنان، خاصة مخازن تشوينات الذخائر والمعدات، مع بقاء لبنان عاجزا عن التصدي، أو الرد، على ضربات إسرائيل داخل حدود الأرض اللبنانية، ليزداد الوضع سوءاً، مع التصعيد الإسرائيلى الذى تجاوز المطالبة بعودة حزب الله إلى ما بعد نهر الليطاني، إلى مطالبة الجيش اللبنانى بسحب سلاح الحزب بالكامل. فى نفس الوقت أصدر رئيس الحكومة أوامره للجيش اللبنانى بنزع سلاح أفراد المخيمات، وهو الأمر الذى تشوبه الكثير من الصعوبات والتحديات، وهو ما يدفع إسرائيل لاستغلال الفرصة، يومياً، لمهاجمة عناصر ومخازن حزب الله فى لبنان، خاصة فى جنوب بيروت.

وازدادت المهمة تعقيداً، بإعلان الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، رفض الحزب لنزع السلاح، داعياً المجتمع الدولى لحذف ذلك المصطلح من قاموسه، مؤكداً أن المشكلة ليست سلاح المقاومة، وإنما الاحتلال الإسرائيلي. كل هذا بالإضافة للمشكلة الحدودية فى منطقة مزارع شبعا، التى يأمل لبنان، حلها مع إسرائيل. فضلاً عن مشكلة البلوك رقم تسعة فى المياه الاقتصادية اللبنانية، الذى قامت إسرائيل بالاستيلاء عليه للسيطرة على حقول الغاز اللبنانية، واستخراج الغاز وتصديره لحسابها، بينما يعانى شعب لبنان نقص إمدادات الطاقة. لم تقف المشاكل عند هذا الحد، وإنما ظهرت مشكلة جديدة تتعلق بقرار منع مصرف لبنان المركزى من القيام بأى تعامل مباشر، أو غير مباشر، مع مؤسسة «القرض الحسن»، التابعة لحزب الله، والمدعومة من إيران، ذلك القرار الذى وصفه المبعوث الأمريكى إلى لبنان بأنه خطوة فى الاتجاه الصحيح. وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد فرضت، فى وقت سابق، عقوبات على مؤسسة «القرض الحسن»، التى اعتبرتها الذراع المالية لحزب الله فى الخارج، حيث كان الحزب يستخدمها فى تنفيذ عمليات مالية وأوامر تهدف للوصول إلى النظام المالى العالمي، رغم القيود الدولية المفروضة عليه.

يضاف لكل ذلك المشكلة الاقتصادية اللبنانية، التى تُعد من أعقد المشاكل، بعدما تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل العملات الأجنبية، وهرب المستثمرون الأجانب، ومثلهم اللبنانيون، بأموالهم خارج لبنان. إذ يرى لبنان ضرورة قيام الدول الأوروبية بضخ مزيد من الأموال والاستثمارات، بهدف تحقيق الاستقرار لسعر صرف الليرة اللبنانية، تمهيداً لإعادة الاقتصاد البنيوى إلى ما كان عليه من قبل الحرب. كما يأمل لبنان أن تقوم الولايات المتحدة بالتدخل لحل المشاكل بين لبنان وإسرائيل، والوصول إلى حل يرضى الطرفين، لتنظيم عملية إعادة إعمار لبنان بعدما دمرته إسرائيل خلال هذه الحرب، وغالباً ما ستكفل فرنسا بعقد مؤتمر للدول المناصرة للإصلاح. وهكذا، فإن الجميع فى لبنان، والدول المحيطة، على أمل أن تهدأ الأمور، لاستقرار لبنان، والعمل على إعادة إعمار البلاد، لكى يعود لبنان كما كان من قبل ... سويسرا الشرق.



Email: sfarag.media@outlook.com