العودة إلى الفهرس الرئيسي

لتحميل الوثيقة في صورة PDF

من المقــال

وطبقًا للتحليلات التى أجرتها مراكز الأبحاث العسكرية والاستراتيجية، فقد تم إجراء مقارنات بين «الثلاثى النووي» لكل من الولايات المتحدة وروسيا والصين.

الصين ورسالة الردع
 

لواء د. سمير فرج

 18 سبتمبر 2025


احتفلت الصين بمرور 80 عامًا على انتصار البلاد فى الحرب العالمية الثانية. وجاء الاحتفال بصورة عرض عسكرى مبهر لفت أنظار العالم، خاصة مع ظهور «الثلاثى النووى» لأول مرة. وكان اللافت فى هذا الاحتفال الحضور السياسى البارز، حيث حضر الرئيس الصينى «شى جين بينج»، والرئيس الروسى «فلاديمير بوتين»، والرئيس الكورى الشمالى «كيم جونج أون»، وذلك ضمن 26 زعيمًا من أنحاء العالم، كما كان هناك حضور لافت للرئيس الإيرانى «مسعود بزشكيان».

جاء العرض العسكرى المخيف ليؤكد، كما أجمع كل المحللين العسكريين والاستراتيجيين فى العالم، أنه كان رسالة ردع مباشرة من الصين إلى القوى العسكرية الأخرى فى العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. وكانت أولى مفاجآت العرض العسكرى الصينى أنه تضمن للمرة الأولى عرض «الثلاثى النووى الصيني». ويقصد بالأسلحة النووية الثلاثية الوسائل البرية والبحرية والجوية، وهى الطرق الرئيسية لإطلاق الأسلحة النووية.

فقد عرضت الصين ضمن النظام النووى البرى صواريخ الـ ICBMs (Intercontinental Ballistic Missiles) وهى صواريخ أرض – أرض بعيدة المدى محملة على قواعد متحركة، تحقق إمكان تنفيذ ضربة نووية استراتيجية مباشرة ضد الخصم. أما النوع الثانى من القوة النووية، فهو القوة النووية البحرية والمتمثلة فى صواريخ الـ SLBMs (Submarine-Launched Ballistic Missiles) التى تطلق من الغواصات النووية، والتى تحقق الرد المباشر ضد أى هجوم على الصين. وتكمن ميزتها فى أن هذه الغواصات تظل مختفية تحت الماء لفترات طويلة، وبالتالى لا يمكن للعدو اكتشاف مكانها، وعند خروجها المفاجئ للسطح وإطلاق الصواريخ، تكون الضربة صادمة تمامًا للخصم.

أما النوع الثالث من القوة النووية الثلاثية فهو القوة النووية الجوية، حيث عرضت الصين صواريخ الـ ALBMs (Air-Launched Ballistic Missiles)، وهى صواريخ تطلق من القاذفات النووية الاستراتيجية أو قنابل نووية محملة على متن هذه القاذفات، ما يمنح الصين اليد العليا فى توجيه الضربات الجوية.

وطبقًا للتحليلات التى أجرتها مراكز الأبحاث العسكرية والاستراتيجية، فقد تم إجراء مقارنات بين «الثلاثى النووي» لكل من الولايات المتحدة وروسيا والصين. وأكدت هذه المراكز أن الثلاثى النووى الأمريكى يتميز بدرجة عالية من الدقة لكنه يعتمد على تقنيات قديمة، خاصة فى الصواريخ البرية النووية. أما الثلاثى النووى الروسى فهو الأكثر تنوعًا، خصوصًا فى مجال الصواريخ البرية الثقيلة. بينما الثلاثى النووى الصينى – وهو الوافد الجديد – فقد دخل إلى هذا المجال بقوة وكانت مفاجأة للجميع.

ومن هنا يطرح السؤال: هل كان العرض العسكرى الصينى مجرد مناسبة وطنية للاحتفال بذكرى الانتصار فى الحرب العالمية الثانية؟ أم كان إعلانًا بأن النظام العالمى القديم الأحادى القطب قد انتهى، وأن نظامًا جديدًا ثنائى الأقطاب قد بدأ مع يوم هذا العرض العسكرى؟

وطبقا لتقرير معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI) لعام 2024، فقد خصصت الصين أكثر من 224 مليار دولار لميزانيتها العسكرية. أما روسيا، ورغم الصعوبات التى تواجهها فى حربها ضد أوكرانيا والعقوبات المفروضة عليها، فقد أنفقت نحو 109 مليارات دولار. فى حين تمتلك كوريا الشمالية 1.2 مليون جندى، بالإضافة إلى ترسانة صاروخية متقدمة.

لذلك فإن القوة الاقتصادية المتصاعدة بسرعة فى الصين، والخبرة العسكرية الروسية، والقدرات الصاروخية الكورية الشمالية، تؤكد أن زمن القطب الواحد قد انتهى، وأن الولايات المتحدة لم تعد اللاعب الأوحد المنفرد فى الساحة الدولية.

وبعيدًا عن الأسلحة، فقد شهد الاحتفال جانبًا آخر لفت الانتباه. فقد التقطت الميكروفونات المفتوحة قبل بدء العرض العسكرى حوارًا جانبيًا بين الرئيس الصينى «شى جين بينج» ونظيره الروسى «فلاديمير بوتين» حول مستقبل تكنولوجيا زراعة الأعضاء البشرية. قال الرئيس الصيني: «فى الماضى كان من النادر أن يتخطى المرء السبعين من عمره، لكن هذه الأيام فإن الرجل فى السبعين لا يزال كأنه طفل». وسأل الرئيس بوتين: «مع تطور التكنولوجيا ماذا حدث؟»، ورد الرئيس الصينى : «أصبحنا قادرين على زراعة الأعضاء البشرية باستمرار، بحيث يمكن للإنسان أن يزداد شبابًا مع تقدمه فى السن».

وقد أثارت هذه المناقشة العديد من التعليقات، خاصة أن الصين أصبحت بالفعل من أكثر الدول تقدمًا فى مجال عمليات نقل وزراعة الأعضاء البشرية.

وعمومًا، فإن معظم التقديرات الصادرة من المفكرين ومراكز الأبحاث الاستراتيجية تؤكد أن الصين تعمل من الآن لكى تصبح القوة الاقتصادية رقم واحد فى العالم مع حلول عام 2030. ومن خلال ما قدمته الصين فى العرض العسكرى الأخير، يبدو أنها تخطط أيضًا لأن تصبح القوة العسكرية الأولى على مشارف عام 2030، وهو ما يقلق الغرب، وبالتحديد الولايات المتحدة الأمريكية.

ويزداد هذا القلق مع التحالفات الاقتصادية الجديدة التى تقودها الصين من خلال منظمة «بريكس» وقمة «شنغهاى»، حيث تعمل القوى الكبرى مثل الصين وروسيا والهند على خلق نظام دولى جديد يلغى نظام القطب الواحد، وينهى هيمنة الدولار على النظام الاقتصادى العالى. فقد تبنى الجميع الآن فكرة السوق الحرة، فى الصين، والهند، والبرازيل، وروسيا، وجنوب إفريقيا، ومعها دول أخرى، بهدف خلق نظام اقتصادى عالمى جديد.

وهذا يؤكد أن العرض العسكرى الصينى لم يكن مجرد. احتفال تقليدى، وإنما كان. إعلانا لظهور نظام عالمى جديد ينهى فكرة القطب الواحد. الولايات المتحدة.

وفى النهاية، فإن الأيام المقبلة وحدها هى التى ستكشف إن كان عام 2030 سيكون بالفعل بداية نظام عالمى ثنائى الأقطاب، أم أن التوازنات الدولية ستفرز مشهدًا أكثر تعقيدًا.



Email: sfarag.media@outlook.com