العودة إلى الفهرس الرئيسي
لتحميل الوثيقة في صورة PDF
من المقــال
ركزت الصحيفة على أن الوثيقة الأمريكية لم تركز على المستقبل السياسى لأى منطقة أخرى غير أوروبا.
|
قراءة فى الاستراتيجية الأمريكية 2026
|
لواء د. سمير فرج
|
18 ديسمبر 2025
|
مع بداية كل عام، تعلن معظم الدول الكبرى فى العالم استراتيجياتها عن العام الجديد، وبالطبع فإن ذلك سوف يفتح المجال للعديد من مراكز الدراسات الاستراتيجية والمفكرين السياسيين فى تحديد هوية واتجاه كل هذه الدول فى العام الجديد.
لذلك، طالعتنا جريدة وول ستريت جورنال The Wall Street Journalبإعلان ما أصدره البيت الأبيض باستراتيجية أمريكا الجديدة 2026، والتى تضمنت 30 صفحة. وعرفت الصحيفة أن الوثيقة سلطت الضوء على مدى التغيير الجذرى الذى تجريه إدارة ترامب فى السياسة الخارجية الأمريكية، والذى من المتوقع أن يؤدى إلى تعميق الانقسامات داخل حلف الناتو.
ركزت الصحيفة على أن الوثيقة الأمريكية لم تركز على المستقبل السياسى لأى منطقة أخرى غير أوروبا، ولفتت إلى عدم ذكر روسيا إلا مرة واحدة. ومن دراسة الوثيقة يمكن أن نقول إن أمريكا طرحت الرؤية الجديدة لعام 2026، على أساس أن العالم تسيطر عليه ثلاث قوى كبرى هى الولايات المتحدة، الصين، وروسيا، ولكل منها مجالات واتجاهات طبقا لاستراتيجيتها.
كذلك أكدت الوثيقة أن واشنطن ترى أن التسوية الدبلوماسية، وليست للتصعيد العسكرى، هى السبيل الوحيد القابل لضمان أمن أوروبا وتجنب مواجهة طويلة الأمد مع روسيا. وكانت المفاجأة أن الوثيقة تعهدت بألا يكون هناك أى توسيع لحلف شمال الأطلسى مستقبلاً، مما يعد ضربة لتطلعات أوكرانيا فى الانضمام إلى الحلف مستقبلًا، على أساس أن ذلك الفكر سيُوضع فى الحسبان بالطبع عند الوصول لأى حل للمشكلة الروسية-الأوكرانية.
كذلك، أكدت الولايات المتحدة عمق الفجوة بين واشنطن وحلفائها فى أوروبا، حيث صدرت وثيقة تشير إلى أن أوروبا تواجه تراجعًا اقتصاديًا، نتيجة التصاعد السياسى للأحزاب اليمينية المتطرفة والمعادية للاتحاد الأوروبى.
وأشارت الوثيقة إلى أن الاستراتيجية الأمريكية تميل إلى تحديث مبدأ مونرو، وهو الإعلان الذى صدر عام 1823، والذى يعتبر أن أمريكا اللاتينية محظورة على أى قوة أجنبية. وهذا يعنى أن الولايات المتحدة ستسعى للوصول إلى موارد ومواقع استراتيجية فى كل دول أمريكا اللاتينية لضمان استقرار هذه الدول، وبالتالى منع الهجرة الجماعية منها إلى الولايات المتحدة.
بالنسبة للصين، أكدت الوثيقة صعودها السريع، ومن هنا تعتبرها القوى المنافسة لواشنطن فى آسيا، خاصة أن الصين تركز فى قوتها على الشق الاقتصادى وبالتالى العسكري. أما الهند، فإن الولايات المتحدة تعتبرها دولة غير منحازة طبقاً لتاريخها الطويل معها، وعلاقات الهند مع الصين حاليا متوترة، ولكن يجب أن يكون للهند دور لتحقيق الأمن فى المنطقة الآسيوية.
وبالنسبة للشرق الأوسط، ترى أمريكا ضرورة الهيمنة على المنطقة، ولكن فى الوقت نفسه ترى ضرورة تخفيف حجم التركيز عليها، خاصة أن الولايات المتحدة لن تعتمد مستقبلاً على النفط الخليجى نظرًا لتطويرها وسائل الطاقة الأمريكية. كما أكدت الوثيقة تراجع الدور الإيرانى نتيجة الضربات الأمريكية والإسرائيلية التى تمت تجاه إيران.
أما بالنسبة لإسرائيل، تضمنت الوثيقة فقرة رئيسية تشير إلى أنه يتعين على أمريكا ضمان أمن إسرائيل، بعد أن كانت تاريخياً فى مقدمة أولويات الولايات المتحدة الأمريكية.
وبالنسبة لإفريقيا، أكدت الوثيقة أن الانتقال من العلاقات القائمة الآن على تقديم المساعدات إلى التركيز على ضمان تعظيم موارد الدول الإفريقية، حتى تكون معتمدة على نفسها بدلاً من تلقى المساعدات.
ومن تحليل هذه المبادئ التى أوردتها الوثيقة الأمريكية، يمكن الوصول إلى المفاهيم التالية: أولاً، أن الولايات المتحدة لن تدخل فى حروب برية فى الفترة المقبلة، وأن ذلك يتماشى مع ما أعلنه الرئيس الأمريكى ترامب خلال حملته الانتخابية، وأنه يهدف إلى أن يُطلق عليه بعد مغادرة البيت الأبيض بعد ثلاث سنوات لقب «رئيس السلام»، حيث إنه لن يورط الولايات المتحدة فى حروب مثل فيتنام وافغانستان.
ثانيا، فإن الرئيس الأمريكى لا يرى أى دور لأوروبا وحلف الناتو فى الفترة المقبلة، حيث إن الوثيقة أعلنت بصراحة أن القوة الرئيسية التى تعمل لها أمريكا حسابا هى روسيا والصين. ومن هذا المنطلق، يُتوقع أن تركز أمريكا فى الفترة المقبلة على زيادة قدراتها النووية لتكون رادعًا أمام هذه القوى الكبرى، مع التركيز كما ذكرت الوثيقة على تشكيل قوة المهمات العقربية الضاربة Task Force ScorpionStrike» «TFSS ونشر الطائرات المسيرة (drones) فى مناطق التهديدات المختلفة المحتملة.
كما أبرزت الوثيقة التحول الجذرى لأمريكا تجاه الشرق الأوسط، حيث إنها لن تنسحب من المنطقة، ولكن لن تكون لها الأولوية الاستراتيجية، وسيكون الشرق الأوسط بالنسبة للولايات المتحدة مكانًا للشراكة والاقتصاد والاستثمار، وليس مستنقعًا للعمليات العسكرية مستقبلًا.
وركزت الوثيقة على أن إيران هى القوة الأكثر زعزعة للاستقرار فى المنطقة، مع تركيز الولايات المتحدة على منع أى قوة معادية من السيطرة على منطقة الشرق الأوسط وموارده من النفط والمضايق البحرية، دون اللجوء إلى أى حرب هناك. ومن هذا المنطلق أنشأت الولايات المتحدة قوات المهمات العقربية هناك.
وكانت المفاجأة بعد نشر هذا التقرير، ترحيب الكرملين بهذه الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، حيث أعلن أنها تتفق مع تصورات روسيا خلال عام 2026، ووصف الاستراتيجية بأنها واقعية ومرنة، وأكدت إجبار الولايات المتحدة على إحياء عقيدة مونرو، والتى تقول إن الكرة الغربية منطقة نفوذ واشنطن.
وأكد الكرملين أن رأى واشنطن لإنهاء الحرب مع أوكرانيا يمثل مصلحة للولايات المتحدة، التى تريد إعادة إرساء الاستقرار الاستراتيجى مع روسيا.
Email: sfarag.media@outlook.com
|