العودة إلى الفهرس الرئيسي
لتحميل الوثيقة في صورة PDF
من المقــال
ولن أصف سعادتى بالحضور فى بلدى بورسعيد الجميلة، التى وُلدت وعشت فيها أجمل أيام عمرى.
|
عيد النصر فى بورسعيد
|
لواء د. سمير فرج
|
25 ديسمبر 2025
|
احتفل شعب بورسعيد الثلاثاء الماضى بعيده القومى، يوم 23 ديسمبر، والذى كانت مصر تحتفل به كل عام بعيد النصر. السيد اللواء محب حبشى، محافظ بورسعيد، لحضور الاحتفال، فى مدينتى الباسلة بورسعيد بهذا العيد العظيم.
ولن أصف سعادتى بالحضور فى بلدى بورسعيد الجميلة، التى وُلدت وعشت فيها أجمل أيام عمرى، حيث شمل الاحتفال عديدا من الافتتاحيات وأعمال التطوير الجديدة التى أسعدت شعب بورسعيد، أتذكر ذلك اليوم 23 ديسمبر عام 1956، عندما خرجت الجيوش الإنجليزية والفرنسية فى انسحابها المهين من بلدنا بورسعيد، بعد أن فشل العدوان الثلاثى على مصر. ويومها دخلت طلائع الجيش المصرى إلى بورسعيد يوم 23 ديسمبر.
ويومها أتذكر، وأنا طفل صغير، عندما اندفعت مع جموع شعب بورسعيد لتحية طلائع الجيش المصرى، وأتذكر أننى فى ذلك اليوم أقسمت أن ألتحق بالكلية الحربية، وأن أكون ضابطًا يدافع عن بلدى مصر الحبيبة.
ومن يومها أصبح يوم 23 ديسمبر من كل عام احتفال مصر وبورسعيد بعيدها القومى، بحضور الرئيس جمال عبدالناصر، الذى كان يحتفل مع شعبها، حين يمر بالسيارة المكشوفة فى شوارع المدينة، بعدها يتوجه إلى ميدان الشهداء ليشهد طابور العرض العسكرى. وكنت أقف أشاهد هذا الطابور، وانا أحيى أبناء جيشى فى أثناء مرورهم فى العرض.
وتمر الأيام، والتحقت بالكلية الحربية، وتخرجت ضابطًا فى الجيش المصرى. وفى أول عيد للنصر، جاءت الأوامر الى الكتيبة لتعيين ضابط يحمل علم مصر فى طابور عيد النصر ببورسعيد أمام الرئيس جمال عبدالناصر. وبالطبع تم اختيارى، لأننى ابن بورسعيد، لحمل العلم فى طابور العرض. ولم أصدق نفسى، هل سأذهب إلى مدينتى الجميلة وأحمل علم مصر فى هذا الاحتفال؟ وبالفعل ذهبت، ويومها كانت أسعد لحظات حياتى وأنا أسير فى طابور العرض أحمل علم مصر أمام الرئيس عبدالناصر، أسمع هتافات أبناء بورسعيد بينما كنت منذ سنوات سابقة أقف مع جموع هذا الشعب أصفق لأبناء الجيش.
ولقد كان احتفال هذا العام رائعًا، حيث افتتح السيد اللواء محب حبشى محافظ بورسعيد النشيط، ومعه ضيوفه الكرام، العديد من الافتتاحات لتطوير مدينة بورسعيد وبورفؤاد. ولكنى لم أنسَ، وأنا أطوف بمدينتى يوم الثلاثاء، بكل تفاصيل، العدوان الثلاثى على بورسعيد عام 1956، عندما أمّم عبدالناصر قناة السويس.
وحينها قرر البريطانيون والفرنسيون الهجوم على بورسعيد لاحتلال القناة، بعدما اتفقا مع إسرائيل على الهجوم على سيناء قبلها، لتبرير هجومهما الغاشم على بورسعيد بحجة حماية قناة السويس. بينما، فى الحقيقة، كانت بريطانيا تستهدف السيطرة مرة أخرى على المناطق المحيطة بالقناة، تلك السيطرة التى فقدتها بعد توقيع اتفاقية الجلاء عام 1954. أما فرنسا، فكان هدفها الأساسى من العدوان على مصر الانتقام من عبدالناصر بسبب مساندته ثورة الجزائر، مع أهمية استعادة إدارة القناة بما تمثله من شريان ملاحى عالمي.
وبناءً على معاهدة سيفر، قامت إسرائيل ليلة 29 أكتوبر 1956 بمهاجمة سيناء، وهبطت مظلاتها فى عمق سيناء، فاشتبكت معها القوات المصرية. وعلى الفور، وتنفيذًا للخطة، أصدرت فرنسا وإنجلترا إنذارًا لمصر وإسرائيل بوقف القتال، وطلبت من الجانبين الانسحاب لمسافة عشرة كيلومترات من القناة، لما يمثله قتالهما من تهديد للملاحة فى قناة السويس. فرفضت مصر ذلك الإنذار وما يمثله من تدخل فى شئونها الداخلية. فاستيقظنا فى الصباح الباكر من اليوم التالى، على هجوم إنجلترا وفرنسا على مدينة بورسعيد. ورغم صغر سنى حينها، فإننى أتذكر بدقة تفاصيل ذلك اليوم، الذى بدأ بالقصف الجوى من القوات الفرنسية والإنجليزية على مطار الجميل، بالتزامن مع الهجوم البحرى بواسطة الأسطول البريطاني.
فهرولت إلى نافذة المنزل، ورأيت هبوط المظليين البريطانيين فى مطار الجميل. فتوجه والدى، رحمه الله، إلى الراديو، وتحديدًا إلى إذاعة BBC، فسمعنا الإنذارات الموجهة إلى أهالى بورسعيد لإخلاء مساكنهم القريبة من البحر، واللجوء إلى المخابئ، نظرًا لبدء الهجوم البحرى من جهة سواحل بورسعيد ويومها نجح أبناء بورسعيد فى القضاء على الفوج الأول من المظليين البريطانيين فى مطار الجميل.
وبعد إنهاء الهجوم يوم 2 نوفمبر، ذهبت مع والدى للاطمئنان على جدتى فى شارع الثلاثينى، وفى طريقنا إليها رأينا العشرات من شهداء بلدى من رجال المقاومة الشعبية على نواصى الشوارع، والدماء تنزف، وسلاحهم البسيط لا يزال فى أيديهم. ولما مررنا بميدان المحافظة، كانت المنازل محروقة، والدخان يتصاعد منها، بعدما قذفتها القوات المعتدية بالنابالم.
ورغم حصار القوات البريطانية والفرنسية للمدينة، فإن المقاومة الشعبية كانت لهم بالمرصاد بعملياتها الناجحة، ومنها اختطاف مورهاوس، الضابط البريطانى وابن عم الملكة، وقتل ضابط المخابرات البريطانى المسئول عن بورسعيد.
وهكذا استمرت المقاومة حتى يوم 23 ديسمبر 1956، تاريخ انسحاب القوات الغازية من بورسعيد.
Email: sfarag.media@outlook.com
|