العودة إلى الفهرس الرئيسي

لتحميل الوثيقة في صورة PDF

من المقــال

ووجدت نفسى أسترجع ذكريات «حرب الاستنزاف»، التى دامت لـ 6 سنوات، حارب فيها الجيش المصرى بطولات.

حرب أكتوبر.. ملحمة كفاح
 

لواء د. سمير فرج

 9 أكتوبر 2025


حرب أكتوبر 1973 هى أغلى الحروب التى خاضتها مصر فى العصر الحديث، خاصةً أنها جاءت بعد هزيمة الجيش المصرى فى 5 يونيو 1967. وبعدها دخلت القوات المصرية فى حرب الاستنزاف التى استمرت لمدة ست سنوات، وتعلمنا فيها الكثير حتى تحقق ذلك النصر العظيم.

وعلى مدى أكثر من خمسين عاما كانت وقائع تلك الذكرى الغالية، تجدد فى قلبى ووجدانى كل مشاعر الفرحة التى عايشتها فى تلك اللحظة الفارقة من التاريخ التى عبر فيها جنودنا قناة السويس وقاموا بتحطيم خط بارليف، ورفع علم مصر فوق أرض سيناء الغالية التى ظلت مغتصبة لـ 6 سنوات بعد نكسة 67 المريرة.

والحقيقة أنه عندما نبدأ فى سرد أحداث هذه الحرب، يجب ألا ننسى البدايات…

ففى اليوم الأسود على تاريخ مصر يوم 5 يونيو 1967، كنت ضابطاً صغيراً برتبة صغيرة برتبة ملازم أول، عائدا لتوه من حرب اليمن، لأجد نفسى وسط الآلاف من زملائى على خط الحدود مع إسرائيل فى منطقة الكونتلا، نهرب من نيران العدو التى تلاحقنا من كل مكان، بعد أن جاءتنا تعليمات بالانسحاب من حرب لم نحصل فيها على فرصة حقيقة لمواجهة العدو, حتى وصلت إلى غرب قناة السويس، عبر ممر مثلا فى الساعة الخامسة يوم 9 يونيو جاء إعلان عبدالناصر التنحى وأمامنا العلم الإسرائيلى يرفرف على الضفة الشرقية للقناة لأعيش بعد ذلك مرارة الهزيمة، والانكسار، وألم التهجير الذى عانت منه أسرتى التى تعيش فى موطن رأسى ببورسعيد وأن أتذكر والدى الذى اضطرنى لأخذ إجازة لمدة يوم واحد لإقناعه بأن يغادر بورسعيد، بعد أن يئس إخوتى فى إقناعه.

ووجدت نفسى أسترجع ذكريات «حرب الاستنزاف»، التى دامت لـ 6 سنوات، حارب فيها الجيش المصرى بطولات، مازالت محفوظة فى التاريخ، كمعركة رأس العش، وعملية إغراق المدمرة إيلات، التى غيرت من مفاهيم العلوم العسكرية البحرية فى العالم.

وفى السنوات الست وأنا أتدرج فى رتبتى العسكرية من ملازم أول حتى وصلت إلى رتبة النقيب، كنت شاهدا من موقعى على الشاطئ الغربى للقناة، على عملية بناء العدو الإسرائيلى لـ «خط بارليف»، وأرى جنود العدو، وهم يسيرون بها مختالين بأنفسهم، سعيدين بنصر فى معركة لم يواجهوا فيها شرف القتال، وأسال نفسى كل يوم متى نعبر القناة ومتى تعود أرض سيناء الحبيبة الى حضن امها مصر.

وخلال هذه السنوات تعلمنا الكثير من فنون الحرب، حيث هناك مقولة إن الحرب تعلم الحرب، حيث تدربنا على الأسلحة الجديدة التى وصلت من الاتحاد السوفيتى، وبدأنا فى التدريب على عبور الموانع المائية فى بحيرة قارون، وعلى أفرع نيل مصر العظيم.

واليوم أحمد الله أنه قد أعطانى العمر، ليس فقط لأشهد اليوم التى تعود فيه سيناء الحبيبة إلى مصر، ولكنه قد منحنى الفرصة لأكون شاهدا على تفاصيل حرب أكتوبر 1973 منذ أن كانت خطة تحمل اسم التوجيه41.

فعندما كنت طالبا فى كلية القادة والأركان، شاء لى القدر أن أكون ضمن فريق الدارسين الذى عهد إليه مناقشة التوجيه 41، بقيادة الفريق سعد الدين الشاذلى رئيس أركان حرب القوات المسلحة، ذلك التوجيه الذى لم يكن لدينا أى فكرة أنه لعبور قناة السويس واقتحام خط بارليف خطة حرب أكتوبر 1973.

ثم جاءت مفاجأة القدر السعيدة لى الثانية، ليتم اختيارى لأكون أصغر ضابط فى غرفة عمليات حرب أكتوبر 73، العمليات المركزية لقيادة حرب أكتوبر 1973، بجوار كبار قادة معركة النصر بداية من الرئيس محمد أنور السادات، وقادة الأسلحة والقوات، وأوثق معركة النصر لحظة بلحظة.

وعشت داخل غرفة العمليات لحظات النصر، بدءا من نجاح الضربة الجوية، ثم اقتحام الجنود المصريين القناة فى القوارب المطاطية 12 موجة وسقوط نقاط خط بارليف، ورفع العلم المصرى عليها، وقيام قواتنا بصد احتياطيات العدو المدرعة التى تحاول تدميرها بعد عبورها القناة، ثم جاء الليل لتبدأ الكبارى فى العبور. وجاءت الدبابات والمدفعية خلال ثلاثة أيام، أصبح لدينا. 200 ألف مقاتل على الضفة الشرقية لأرض سيناء الغالية.

وجاء سفرى إلى كلية كمبرلى الملكية لأركان الحرب بإنجلترا بعد حرب أكتوبر مباشرة، وهناك وجدت نفسى فى كل محاضرة عن الهجوم، أو الدفاع، أو القتال التصادمى، إلى آخره… أن أسمع المدرس ينادى قائلًا:

«الرائد سمير من مصر، تفضل واشرح لنا كيف حقق المصريون مبادئ الحرب خلال حرب أكتوبر؟».

فقد كان الجميع يدرك أن المصريين قد حققوا معجزة فى تطبيق مبادئ الحرب، وذلك من خلال عبورهم قناة السويس واقتحام خط بارليف، أكبر مانع دفاعى فى التاريخ العسكرى الحديث.

وقد شاء الله لى ألا تتوقف معاركى بعد انتصار أكتوبر المجيد، لأجد نفسى وأنا جالس فى مقر قناة BBC البريطانية، بلندن أواجه القائد الإسرائيلى الجنرال شارون، فى مناظرة تم نقلها على الهواء مباشرة، كانت لجنة التحكيم بها كبار الخبراء العسكريين بواحد من أهم مراكز الدراسات الاستراتيجية فى العالم لأمثل الجيش المصرى، وأروى شهادتى للعالم كله كيف صنعت مصر معجزة أكتوبر 73.

وهكذا كانت حرب أكتوبر 1973 علامة فارقة فى تاريخ العسكرية المصرية، حيث حقق الجيش المصرى أعظم انتصاراته، واستعاد لمصر أرضها الغالية.



Email: sfarag.media@outlook.com